ابراهيم رفعت باشا
89
مرآة الحرمين
إني جئت من جبلى طيئ أكللت « 1 » راحلتي وأتعبت نفسي واللّه ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من شهد صلاتنا هذه فوقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه - قال الترمذي : حديث حسن صحيح « 2 » . وبهذا احتج من ذهب إلى أن الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ركن كعرفة . وقد وقف صلى اللّه عليه وسلم في موقفه وأعلم الناس أن مزدلفة كلها موقف ، ثم سار من مزدلفة مردفا للفضل بن عباس وهو يلبى في مسيره وانطلق أسامة بن زيد على رجليه في سباق « 3 » قريش ، وفي طريقه ذلك أمر ابن عباس أن يلتقط له حصى الجمار سبع حصيات ولم يكسرها من الجبل تلك الليلة كما يفعل من لا علم عنده ولا التقطها بالليل ، فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف « 4 » فجعل ينفضهن في كفه ويقول : أمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلوّ في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين . وفي طريقه تلك عرضت له امرأة من خثعم جميلة فسألته عن الحج عن أبيها وكان شيخا كبيرا لا يستمسك على الراحلة فأمرها أن تحج عنه وجعل الفضل ينظر إليها وتنظر اليه فوضع يده على وجهه وصرفه إلى الشق الآخر - وكان الفضل وسيما - فقيل : صرف وجهه عن نظرها اليه وقيل : صرفه عن نظره إليها ، والصواب أنه فعله للأمرين فإنه في القصة جعل ينظر إليها وتنظر اليه وسأله آخر هنالك عن أمه فقال : إنها عجوز كبيرة وإن حملتها لم تستمسك وإن ربطتها خشيت أن أقتلها فقال : أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه ؟ قال : نعم قال : فحج عن أمك . فلما أتى بطن « 5 » محسر حرك ناقته وأسرع السير وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل فيها بأس اللّه بأعدائه ، فإن هنالك أصاب أصحاب
--> ( 1 ) أتعبتها . ( 2 ) الحديث الذي رواه عدل تام الضبط بسند متصل غير معل ولا شاذ يقال له : الصحيح فإن لم يكن الضبط تاما يقال له : الحسن ومعنى كون الحديث حسنا صحيحا أن أحد سنديه تنطبق عليه أوصاف الصحة والآخر تنطبق عليه أوصاف الحسن فإن كان له سند واحد فوصفه بالأمرين للاختلاف في حال رجاله أهم رجال الصحيح أم رجال الحسن ؟ ( 3 ) تسابقهم . ( 4 ) الخذف بالحصى رميه بالأصابع . ( 5 ) الوادي الضيق بين منى ومزدلفة يقال له محسر .